في قلب المدينة العتيقة، حيث تتقاطع الأزقة الضيقة مع عبق التاريخ، احتضنت مدينة فاس حدث ثقافي بارز يعيد الاعتبار لذاكرة جماعية غنية ومتعددة الروافد،وذلك خلال الفترة الممتدة من 28 إلى 30 أبريل 2026، وتنطلق فعاليات هذه الدورة الخامسة من مهرجان فاس الدولي للموروث الثقافي والفنون الشعبية، حاملة معها رؤية متجددة تجعل من التراث مادة حية تنبض بالإبداع والتجدد.
لا يقتصر هذا الموعد الثقافي على استعراض الفنون الشعبية في شكلها التقليدي، بل يتجاوز ذلك نحو إعادة صياغتها ضمن تصور معاصر يزاوج بين الأصالة والابتكار ،فالشعار الذي اختارته الدورة يعكس بوضوح هذا التوجه، حيث يسلط الضوء على العلاقة العميقة بين الإيقاع الموسيقي والممارسة الحرفية، في محاولة لتحويل الحرفة من نشاط إنتاجي إلى لغة فنية قائمة بذاتها.
وفي هذا السياق، تتحول أدوات الحرفيين ،من مطارق ونول وخيوط إلى وسائط تعبير إيقاعي، تنسج عروضا فنية فريدة تمزج بين الصوت والحركة، بين الجسد والمادة. هذه المقاربة لا تعيد فقط الاعتبار للحرف التقليدية، بل تمنحها بعدًا جماليًا جديدا، يجعلها قادرة على مخاطبة جمهور واسع، خاصة من فئة الشباب.
برنامج المهرجان يعكس هذا التنوع، إذ يجمع بين عروض موسيقية مستلهمة من التراث المحلي والوطني، وورشات تفاعلية تتيح للزوار الانخراط المباشر في تجربة الحِرفة، إلى جانب معارض للصناعة التقليدية تبرز مهارات الحرفيين ودقة أعمالهم ،كما تحتضن التظاهرة لقاءات فكرية وندوات تناقش قضايا التراث اللامادي، وسبل حمايته وتثمينه في ظل التحولات المعاصرة.
ولعل ما يميز هذه الدورة هو بعدها التشاركي، حيث يسعى المنظمون إلى إشراك مختلف الفاعلين ،من فنانين وحرفيين وباحثين ،في خلق دينامية ثقافية جماعية، تضع التراث في صلب النقاش العمومي ،كما يشكل المهرجان فرصة لتعزيز السياحة الثقافية، وإبراز فاس كوجهة عالمية تحتضن التنوع وتحتفي بالإبداع.
واقتصاديا، يوفر الحدث منصة لدعم الحرفيين وتسويق منتجاتهم، ما يساهم في تنشيط الدورة الاقتصادية المحلية ،أما ثقافيا، فهو يرسخ قيم الانتماء والاعتزاز بالهوية، ويعيد ربط الأجيال الجديدة بجذورها في قالب حديث وجذاب.
في زمن تتسارع فيه وتيرة العولمة، يبرز مهرجان فاس الدولي للموروث الثقافي والفنون الشعبية كفضاء للمقاومة الثقافية الهادئة، حيث يتحول التراث من مجرد ماض محفوظ إلى حاضر يعاش ومستقبل يُبنى. إنه احتفال بالحياة، وبالإنسان، وبذاكرة لا تزال تنبض في تفاصيل الحرفة وأنغام الموسيقى.
Leave a Reply